المقريزي
41
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
إلى أسوان طولا ، ومن برقة إلى أيلة عرضا ، وحاز فارق لنفسه ما بين برقة إلى إفريقية ، وكان ولده الأفارقة ولذلك سميت إفريقية ، وذلك مسيرة شهر ، وحاز ماح ما بين الشجرتين من منتهى حدّ مصر إلى الجزيرة مسيرة شهر ، وهو أبو قبط الشام ، وحاز باح ما وراء الجزيرة كلّها ما بين البحر إلى الشرق مسيرة شهر ، وهو أبو قبط العراق ، ثم توفي بنصر بن حام ، ودفن في موضع دير أبي هرميس غربيّ الأهرام ، فهي أوّل مقبرة قبر فيها بأرض مصر ، وكثر أولاد مصر وكان الأكابر منهم قفط ، وأتريب ، وأشمن ، وصا ، والقبط من ولد مصر هذا ويقال : إنّ قبط أخو قفط ، وهو بلسانهم قفطيم وقبطيم ومصرايم ، قال : ثم إنّ بنصر بن حام وتوفي واستخلف ابنه مصر ، وحاز كل واحد من إخوة مصر : قطعة من الأرض لنفسه سوى أرض مصر التي حازها لنفسه ولولده ، فلما كثر ولد مصر وأولاد أولادهم قطع مصر لكل واحد من ولده قطيعة يحوزها لنفسه ولولده ، وقسم لهم هذا النيل فقطع لابنه قفط موضع قفط فسكنها وبه سميت قفط قفطا ، وما فوقها إلى أسوان ، وما دونها إلى أشمون في الشرق والغرب ، وقطع لأشمن من أشمون فما دونها إلى منف في الشرق والغرب فسكن أشمن أشمون فسميت به ، وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا فسكن أتريبا فسميت به ، وقطع لصا ما بين صا إلى البحر فسكن صا فسميت به فكانت مصر كلها على أربعة أجزاء : جزأين بالصعيد ، وجزأين بأسفل الأرض . قال البكري : ومصر مؤنثة قال تعالى : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [ الزخرف / 51 ] ، وقال : ادْخُلُوا مِصْرَ [ يوسف / 99 ] . وقال عامر بن أبي واثلة الكناني لمعاوية : أما عمرو بن العاص ، فأقطعته مصر ، وأما قوله سبحانه : اهْبِطُوا مِصْراً [ البقرة / 61 ] فإنه أراد مصرا من الأمصار ، وقرأ سليم الأعمش : اهبطوا مصر ، وقال : هي مصر التي عليها سليم بن عليّ فلم يجرّها . وقال القضاعي : وكان بنصر بن حام قد كبر ، وضعف فساقه ولده مصر ، وجميع إخوته إلى مصر ، فنزلوها وبذلك سميت مصر ، وهو اسم لا ينصرف في المعرفة لأنه اسم مذكر سميت به هذه المدينة فاجتمع فيها التأنيث والتعريف ، فمعناها الصرف ، ثم قيل : لكل مدينة عظيمة يطرقها السفار : مصر فإذا أريد مصر من الأمصار صرف لزوال إحدى العلتين ، وهي التعريف ، وأما قوله تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ [ البقرة / 61 ] فإنه مصروف في قراءة سائر القراء ، وفي قراءة الحسن والأعمش : غير مصروف فمن صرفها فله وجهان : أحدهما : أنه أراد هبوط مصرا من الأمصار لأنهم كانوا يومئذ في التيه ، والآخر : أنه أراد مصر هذه بعينها وصرفها لأنه جعل مصرا اسما للبلد ، وهو اسم مذكر سمي به مذكّر فلم يمنعه الصرف ، وأما من لم يصرفه فإنه أراد بمصر هذه المدينة ، وكذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [ يوسف / 99 ] ، وقول فرعون : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [ الزخرف / 51 ] إنما يراد به مصر